ابن عجيبة
343
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 37 إلى 39 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 ) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي : يضيق على من يشاء ، فينبغي للعبد أن يكون راجيا ما عند اللّه ، غير آيس من روح اللّه ؛ إذ دوام حال من قضايا المحال ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته ، ولا يقفون مع شئ دونه . قال النسفي : أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط ، فما لهم يقنطون من رحمته ؟ وما لهم لا يرجعون إليه ، تائبين من معاصيهم ، التي عوقبوا بالشدّة من أجلها ، حتى يعيد عليهم رحمته ؟ ولما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم ، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك ، يعنى : عند البسط ؛ فقال : فَآتِ ذَا الْقُرْبى ؛ أعط قريبك حَقَّهُ من البر والصلة مما بسط عليك . وَ أعط الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حقهما ؛ من الصدقة الواجبة أو التطوعية ، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق . والخطاب لمن بسط عليه ، أو : للنبي - عليه الصلاة والسلام ، وغيره تبع . ذلِكَ أي : إيتاء حقوقهم الواجبة ، والتطوعية ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي : ذاته المقدسة ، أي : يقصدون ، بمعروفهم ، إياه ، خالصا . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ؛ الفائزون بكل خير ، قد حصّلوا ، بما بسط لهم ، النعيم المقيم . وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ أي : وما أعطيتم من مال ؛ لتأخذوا من أموال الناس أكثر منه ، كيفيّة أو كمّيّة ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ؛ ولا يبارك فيه ، بل يسحته ويمحقه ، ولو بعد حين . وهذه صورة الربا المحرمة ؛ إجماعا ، وقيل : وما أعطيتم من هدية ؛ لتأخذوا أكثر منها ، فلا يربو عند اللّه ، لأنكم لم تقصدوا به وجه اللّه . وهذه ؛ هدية الثواب ، جائزة ، إلا في حقه - عليه الصلاة والسلام ؛ لقوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ « 1 » . وقرأ ابن كثير : « أتيتم » ؛ بالقصر ، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا . وقرأ نافع « 3 » : « لتربوا » بالخطاب ، أي : لتصيروا [ ذوى ] « 2 » ربا ، فتزيدوا في أموالكم .
--> ( 1 ) الآية 6 من سورة المدثر . ( 2 ) في الأصول [ ذا ] . ( 3 ) وكذا قرأ أبو جعفر ويعقوب . وقرأ الباقون بياء الغيب وفتحها . انظر الإتحاف ( 2 / 357 ) .